الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة "منبار بييريت" في قسم "أسبوعا السينمائيين" بمهرجان كان: إنسانية لا متناهية... بقلم الناقد طاهر الشيخاوي

نشر في  22 ماي 2023  (18:57)

بقلم الناقد السينمائي طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان

تتوالى عروض الدورة 76 لمهرجان كان السينمائي ويصعب التوفيق بين ضرورة مواكبتها والرغبة في الكتابة عنها. إلّا أن بعض الأعمال تستوقفك بالرغم منك، فتقف وتكتب ولو قليلا. كذلك كان الأمر مع شريط روزين مباكام (Rosine Mbakam)، المخرجة الكامرونية التي يعرفها متابعو الشأن السينمائي الإفريقي من خلال أعمال سابقة حظيت باهتمام كبير ومشروع، كـ"وجهان لإمرأة باميليكي" و"أدعية دلفين".

"منبار بييريت"(« Mambar Pierrette »)، بورتري يثير الإعجاب بل يفرضه فرضا. لنبدأ بما توفقت المخرجة في تجنبه وهو ما يصعب تجنبه على الكثير : الاستعمال المفرط واللّاضروري للأساليب البلاغية التي تتيحها تقنيات السينمـا. نقول هذا ونؤكد عليه لِما تُوفّره صناعة الصّورة من إغراءات بديعية. اقتصادٌ عجيب في نمط التصوير. والسؤال يصبح : ماذا بقي إذا تجنبنا حركة الكاميرا وأساليب المونطاج العديدة والمؤثرات الأخرى التي لا تحصى خاصّة لما يتعلق الأمر بمسائل اجتماعية وثقافية وسياسية كتلك التي يتناولها الشريط ؟ يبقى الأساسي.

تلتصق الكاميرا ببييريت ولا تكاد تتخلى عنها كما لو كانت جزءا منها. لقطات قريبة جدّا من الشخصية في ملازمة مستمرّة لها. القرب هنا لا يعني طبعا فقط التأكيد على أنها الموضوع الرئيسي ولكنه يفترض أن بييريت مهما اقتربنا منها لن نستقي منها ما يكفي من معلومات، أي ديمومة القرب تجعلنا مع مرور الوقت في مساءلة مستمرة عن شخصيتها : كيف يمكن لهذه المرأة أن تتحمل كل ما تتعرض إليه من صعاب، كيف يمكنها أن تصمد أمام قساوة الحياة والخصاصة،  كيف يمكنها أن تصمد أمام مجتمع ذكوري لا يرحم، أمام مجتمع لا يبالي بالفقير، أمام سياسيين لا هم لهم سواهم ؟

ملازمتنا لها تجعل منها رفيقة صديقة نحفظ ملامحها ولا نستوفي معانيها. بدلا عن استعراض الأحداث التي يمكن أن تدلّنا على همومها ومشاكلها، تقف الكاميرا إلى جانب بييريت في التقاط ثابت وصبور لما يمكن أن يختلج في نفسها من موارد إنسانية تجعل إبتسامتها دائمة وعزيمتها لا متناهية.

هذا لا يعني أن تغفل روزين مباكام من حين إلى حين على الإشارة إلى مصادر العنف بل تصبح هذه الإشارات بفعل ندرتها أقوى وأعمق. هنا تأخذ الدمية (التمثال الأنثوي العارض للزي) معناها الحقيقي فهي تماما عكس بييريت، يتوقف معناها على ملامحها بينما لا تمثل ملامح بييريت سوى العلامات الخارجية التي لا تروي إلا القليل عما يختلج داخل ذلك الكيان الذي يكاد يستحيل الإلمام الكامل بشخصيته.

ثم قلة الأساليب لا تعني انعدام الأساليب وإنما أهميتها فلمّا يقترب الفيلم من النهاية تبتعد الكاميرا قليلا عن بييريت فينفتح الحقل وندرك المحيط الدائر بها في ذلك الحي البائس من دوالا وبعض الأشخاص الآخرين فينسحب عليهم ما حصل لنا من اطلاع ومعرفة طوال مرافقتها لبييريت مدة تسعين دقيقة.